ابن عجيبة

248

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أهله بمصر ، فأذن له ، فسار بأهله في البرّيّة ، فأوى إلى جانب الطور الغربي الأيمن ، في ليلة مظلمة شديدة البرد ، وكان أخذ على غير طريق ، يخاف ملوك الشام - قلت : ولعلهم كانوا من تحت يد فرعون - فأخذ امرأته الطّلق ، فقدح زنده ، فلم يور ، فآنس من جانب الطور نارا . ه . وقال ابن عطاء : لما تم أجل المحنة ، [ ودنت ] « 1 » أيام الزلفة ، وظهرت أنوار النبوة ، سار بأهله ؛ ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه . ه . آنَسَ أي : أبصر مِنْ جانِبِ الطُّورِ أي : من الجهة التي تلو الطور ناراً ، قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن الطريق ؛ لأنه كان ضل عنها ، أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ أي : قطعة وشعلة منها ، والجذوة - مثلثة الجيم : العود الذي احترق بعضه ، وجمعه : « جذى » . لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ؛ تستدفئون بها . والاصطلاء على النار سنّة المتواضعين . وفي بعض الأخبار : « اصطلوا » فإن الجبابرة لا يصطلون » . فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ بالنسبة إلى موسى ، أي : عن يمين موسى ، فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ بتكليم اللّه تعالى فيها ، مِنَ الشَّجَرَةِ ؛ بدل من « شاطئ » ؛ بدل اشتمال ، أي : من ناحية الشجرة ، وهي العنّاب ، أو العوسج « 2 » ، أو : سمرة « 3 » . وقال وهب : عليقا « 4 » . أَنْ يا مُوسى . أي : يا موسى ، أو : إنه يا موسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ، قال البيضاوي : هذا ، وإن خالف ما في « طه » و « النمل » ؛ لفظا ، فهو طبقه في المقصود . ه . قال جعفر الصادق : أبصر نارا ، دلته على الأنوار ؛ لأنه رأى النور على هيئة النار ، فلما دنا منها ؛ شملته أنوار القدس ، وأحاطت به جلابيب الأنس ، فخاطبه اللّه بألطف خطاب ، واستدعى منه أحسن جواب ، فصار بذلك مكلّما شريفا ، أعطي ما سأل ، وأمن ممن خاف . ه . قال القشيري : فكان موسى عند الشجرة ، والنداء من اللّه لا منها ، وقد حصل الإجماع أن موسى ، تلك الليلة ، سمع كلام اللّه ، ولو كان النداء من الشجرة ؛ لكانت المتكلمة هي ، فلأجل الإجماع قلنا : لم يكن النداء منها ، وإلا فنحن نجوز أن يخلق اللّه نداء في الشجرة . ه . قلت : وسيأتي في الإشارة ما لأهل التوحيد الخاص ، وما قاله - هو مذهب أهل الظاهر .

--> ( 1 ) في الأصول [ ودنا ] . ( 2 ) شجر من فصيلة الباذنجيات ، شائك الأغصان واحدته : عوسجة . انظر اللسان ( 4 / 2937 . مادة عسج ) . ( 3 ) السمرة : شجرة من العضاه ، وهي من جيد الخشب ، والجمع سمر وسمرات . انظر اللسان ( 3 / 2092 . مادة سمر ) . ( 4 ) العليق . شجر من شجر الشوك لا يعظم . وإذا نشب فيه شئ لم يكن يتخلص منه من كثرة شوكه . ولذلك سمى عليقا . انظر اللسان ( 4 / 3074 . مادة علق ) .